هشام جعيط
149
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
القديمة والعهد الوسيط لم تعرف السكك الصغرى والأزقة « 1 » ، مع علمنا أن روما عرفتها « 2 » . كما أنه من الغريب أن تكون السوق مقتبسة حسب بلا نهول من « الأروقة » اليونانية الرومانية « 3 » . إن هذا المؤلف يجد نفسه في تناقض بين ميلين ، يدفعه أولهما إلى إضفاء عنصر سلبي معين على الحضارة الإسلامية ، فيما يدفعه ثانيهما إلى إنكاره ما إذا كان هذا العنصر يعبر عن ابتكار أصيل « 4 » . فهو مثلا يلح على فكرة انقسام المدينة إلى أرباض « 5 » ، وهذا غرض معروف ينطلق منه للتدليل على ما هناك من نقص في اندماج المدينة الإسلامية . ثم لا يلبث أن يؤكد مباشرة بعد ذلك أن هذا الانفصام لم يبتكره الاسلام لأنه كان حيا جدا في المدن خلال العهد الوسيط ( يقصد المدن الأوروبية ) « 6 » . هذا وبما أن كل استمرار تاريخي جغرافي ، وكل خاصية موروثة أو مقتبسة تعادل النقل ، فمن المهم أن يوحّد هؤلاء المحللون مواقفهم ، ويتأكدوا من كون العنصر « المنقول » هو من الشرق القديم ، من فارس أو من التقليد اليوناني وإلا فلن تتبقى سوى إرادة عنيدة للاستنقاص ، إذ لم يعد المقصود إبراز التسلسل . فمثلا هل أن الدار ذات الصحن الداخلي المفتوح ، يجب ربطها بالشرق القديم ( قيرث ) « 7 » ، أم بفارس أم بالتقليد اليوناني ( بلانهول ) « 8 » ؟ المسعى المعرّض به في هذا المقام ، ينقلب على نفسه : فيصير أعمى أمام تيارات انتقال صور الحضارة بين الشرق واليونان ، ويتجه إلى ثنائية حيرى ( الشرق ؟ أم اليونان ؟ ) وبذلك يتيه في التناقض لأنه يريد الافراط في تفريد التقليد الكلاسيكي دون سواه . الحقيقة أن هذا النقد المنهجي يتجاوز قضية نشوء الأمصار التي تشغلنا في هذا المقام .
--> ( 1 ) La Ville arabe dans l'Islam , p . 195 ; « Die Orientalische Stadt » , pp . 45 ff . ( 2 ) Le ? on Homo , Rome impe ? riale et l'urbanisme dans l'Antiquite ? , Paris , nouvelle e ? dition 1971 , p . 370 . حيث يشير المؤلف إلى الأزقة الضيقة ( « angiportus » ) ويقول إنها « لم تكن سوى أزقة أو طرق مسدودة في الغالب » . ( 3 ) فكرة لعله أخذها عن : . Sauvaget , art . cit . , p . 132 . ( 4 ) Ibid . , p . 132 . ( 5 ) Ibid . , p . 129 . ( 6 ) Ibid . , p . 132 . ( 7 ) Op . cit . , p . 196 . ( 8 ) Art . cit . , p . 131 .